الملامح السوسيولوجية والنفسية للشخصية العربية

كتبت : د . ليلى الهمامي
مفهوم الشخصية العربية بالنسبة للعديد من المفكرين وعلماء الاجتماع وعلماء النفس، مفهوم يكاد يكون تعسفيًا على الأقل في ما هو حديثهم عن الشخصية العربية التي تعتبر الفوارق المباعدة بين الأقطار: إعتبارات تاريخية وإعتبارات في مستوى المنطوق اللغوي يعني اللهجة، في علاقة بمعطى التاريخ، في علاقة بالمعطى الطائفي أو المعطى العرقي.
كل هذه الإعتبارات تدفع بجزء أو قطاع هام من علماء الإجتماع وعلماء النفس إلى التشكيك في جدارة هذا المفهوم،
لكن الواقع أنني أعتقد أن ثمة قواسم مشتركة إذا اعتبرنا أن هناك معطى هو التاريخ المشترك، إذا اعتبرنا أن في هذا التاريخ هناك تداخل، معاشرة بين الشعوب، تقاطعات سوسيولوجية واعتبار لغوي لا يستهان به.
ثمة مشترك وثمة ذاكرة مشتركة بين مختلف مكونات الأمة العربية وأنه ثمة أمة عربية أحبّ من أحبّ وكره من كره وهذه الامة ، في جزئها الاعظم إسلامية، على الأقل في مستوى الموروث… لكن ايضا هي أمة فيها العنصر اليهودي، وفيها العنصر المسيحي، إضافه إلى التلوينات العرقية والتلوينات القومية، هي اعتبارات لابد من أخذها بعين الاعتبار.
المشترك هو معطى الإرادية، واللاإرادية تعني أن العربي يعتقد أنه في إمكانه أن يعطل الزمن، العربي يعتقد أنه في إمكانه أن يستبق الزمن أنه في إمكانه أن يكون معاديا ومضادا لمسار التاريخ، السيرورة التاريخية بالنسبة للعربي مسالة قدر يحاول مقاومتها.
العربي كذلك انفعالي بمعنى أنه يتحرك من منطلقات ودوافع عاطفية، يتفاعل حبا أو كراهية مع الظواهر، مع الاحداث والوقائع، يحب أو لا يحب، يحب او يكره هذه التيارات أو هذه الدول وهذه المواقف او هذه الممارسات او هذه القيم، وهذا يمنحه في ذات الوقت عناصر قوة وعناصر ضعف، عناصر القوة تعني أن الارادة متى كانت محكومة بالعقل تكون بناءة، لكن الإرادة دون عقل، أو عندما تغلب الارادة على العقل تتحول الى أهواء، لأن الإرادة دون وعي تتحول الى ما يشبه الدافع الفطري اللاشعوري الذي يكون أعمى ولا يقود إلا الى مزيد الهزائم.
المعطى العاطفي والوجداني هو معطى إيجابي بمعنى أنه يقود في وجهه الوردي -من حيث هو اندفاع-، نحو المحبة والرفاه. وهذه ميزة المجتمعات العربية، الرفاه والمحبة والحنين،هذه مميزات يمكن أن تجعل الأزمات أقل وطأة من المجتمعات الغربية، لو قارنا بين المجتمعات الغربية والمجتمعات العربية الاسلامية لقلنا بأن في المجتمعات العرب ثمة جانب وجداني ايجابي، يحد من وطأة الأزمة.
هنالك تعاطف بين أفراد المجتمع الواحد كما هو الشأن بالنسبة للأسرة في حالة الاعاقة، في حالة الشيخوخة، في حالة العجز، مهما كان، حتى العجز المادي أو الاقتصادي كالبطالة والفقر. ثمة تضامن، وهذا التضامن خاصية داخل المجتمع العربي: انشغال بالآخر لكن هذا الانشغال يمكن ان يكون ايجابيا من حيث أنه اشتغل على ما من شأنه أن ينقذ الآخر، أن يأخذ بيده.
لكن الوجه السلبي ايضا للعاطفة هو الغضب، هو الحقد، هو الثأر، ومنطق الثأر، وهو الذي يقود إلى أبغض الاوضاع والنتائج، لأن الثأر يمكن أن يفضي إلى إعادة إنتاج الكراهية، الى اعادة انتاج المشكل الاول.
يعني ان العربي لا يكتفي بالغضب، لا يكتفي بالحقد وانما يعيد انتاج الحقد، يورث الحقد، وهذا إشكال في حد ذاته يمكن أن نرجعه في جزء كبير الى الاشكاليات العالقة التي بقيت كالدين المتخلد بذمة الأمة العربية، دين لم يحل عقلانيا بعد. وعليه، فإن الجانب الانفعالي لم يكن في يوم من الايام عنصرا إيجابيًا خاصة في علاقة بالقضايا السياسية الكبرى على الأقل.




