فن

إدنجتون .. جعجعة جوفاء تقرٌع التشرذم الاجتماعي

الناقد السينمائي: مودى عبدلله 

 

في مديح كونديرا للجانب النبيل للتفاهة ،” ان التفاهة علاج جذري للنحافة. بفضلها تفقد الاشياء تسعين في المائة من دلالتها و تصير خفيفة. و بتخفيف الأجواء ، سيختفي التعصب ، و تصير الحرب مستحيلة .”

 

و هذا ما يطمح له اي فنان بتجسيد الوضع الاجتماعي المؤسي. 

ان يتفرغ التصادم الجاف من توجعه الوجودي و ان “يختفي التعصب و تصير الحرب مستحيله” و هذا الاهتياج الحراكي و التصادم و سوء التواصل الناتج عن التشرذم الاجتماعي يفقد ثقله و يكتسب خفة و هزلية و يغرس أمآل التآزر بين افراد مجتمع مكث بينهم التفكك طويلا حتى صار يعرف كل منهم الآخر من خلاله .

إحدى أهم مزيات الكوميديا في معالجتها لموضوعات مأساوية أو قضايا سياسية وعيها التجريدي ،تلافيها عن الانغمار في الجانب العاطفي مما يمنع رؤية المواضيع أحيانا من زوايا فاحصة و عدم ترك مساحة كافية تبعد عن الموضوع و الحدث للتأمل في صورة أشمل و أكبر اتساعا تمهد مجالا لإعطاء المتلقي بالتخفيف و التفريغ مجالا لرؤية أكثر نقدية ،لكن في حالة حدوث سوء توظيف تقع هي ذاتها في فخ التسفيه الذي نصبته للجانب العاطفي من الموضوعات المعالجة ، لينتهي بها المطاف لتصبح ،مبتذلة و مفتعلة و تفقد قدرتها من توليد انفعال فلسفي تتخطى تخومه الحدث بحد ذاته، بإعمال الصدام مابين هزلية التناول و جدية الموضوع.

 

كما انتهى بها المطاف كوميديا (تفاهة) “إدينغتون” لآري ستار تحيل المتلقي عن الاجتراح و الالتماس لادراك الافلاس و الفكري و الاخلاقي و تشظي الهوية لاجيال ما بعد الحداثة الكامن تحت قشرة الهزل ،هذا الانفعال المجهض يفشل في الكشف عن الصدوع في النموذج و البنية الكامنة للوعي الجمعي من بقجة القضايا العصرية التي تناولها ، و التي كانت بدورها من المفترض ان تتخطى محدودية وخصوصية الأحداث فرادا .لتكوين صورة واضحة عن العصر الحالي ، والعبث المتعمد هنا في اقحامه لعدة قضاي عصرية متعددة التي حاول أن يولف بين موضوعاتها السردية تقع فريسة متعثرة متمزقة بين نصال البله و الجد الذي لا يستطيع أن يكسب جزء من المأمول و المطموح ، لشبه الغياب التام للإيحاء و الرمز للغائب و المقصي من الصورة السينمائية.

 

في تيكساس ابان جائحة كورونا آري ستار يبني عمله على هذه الحقبة و الفترة الزمنية كنوع من الترهين و التحيين لمقاصد نقده للوعي الجمعي ،و التوجهات السياسات المعاصرة و تعاطي افراد المجتمع معها وانخراطهم و تورطهم في عبث اكاذيب الميديا و غياب القيم و المصداقية للإعلام في قالب كوميدي ساخر يخفق في قول أي شيء ..  

 

 

خلط الأصناف في ” إدينيغتون” لا يوظف بشكل ناجح بل يزيد سطحية الاسقاطات السياسية المباشرة للفيلم قصورا .لم يقدم آري ستار في هذا العمل ما هو اكثر من السخرية الطريفة احيانا والسطحية دائما على القوالب الشعاراتية السياسية لجيل تائه ثائر بلا قضية ،مبادئه ، قضاياه لا ترتكز على قواعد ثابته هي مخاض مجهض لعقلية الترند الآنية التي هي سمته الاكثر هيمنة و طبيعته في مجابهة الزمن الاكثر هشاشة و الاسرع زوالا و نسيانا- ( هذا ما يبدو أن آري ستار يحاول أن يقوله ) ، لا يستطيع التجاوز عن قول ذلك مرارا و تكرارا و دون اضافة فعلية تنضح من هذا التوكيد الغير مبرر، و أن بدى ظريف لما يقارب الساعتين و يسقط في نهاية آخر نصف ساعة لاحداث هزلية مقصوده بشكل مبالغ من مشاهد الحركة لا يقول فيها مالم يقله سابقا بسردية تعتقد أنها مؤهلة لان تنتقد باستعلاء غباء الصوابيات السياسية في حين أنها لا تستطيع أن تكون افضل منها إلا في افتقراها للجدية و الادعاء في امتلكها.

. اذا كان هذا العمل يؤكد على شيء فهو يؤكد على ما اعتقدته في صانعه من عمله السابق “بو خائف” أن خارج قوالب الرعب مثل الدراما مع الكوميديا، صنف لن يجيد تشيده فهو خارج عن قدراته و ادواته التي يبدو الآن جليا أنها صقلت ببراعة لهندسه عوالم رعب حتى بلغت كمالها.

 

 

رمزية الزجاج الفاصل بين الشخصيات المتحدتثه في الفيلم تكسب دلالتها من التكرار كجدار شفاف يؤكد على فشل التواصل بين افراد المجتمع في العصر الحديث رغم اقتحام مواقع التواصل الاجتماعي في كل ركن، وفي في كل منزل ،الا انها تعجز عن عتق ذواتهم التي قُدت من عزلة مطلقة من حالة الاغتراب الملازمة.

لكن حتى هذه الرمزية كناية ركيكة التوظيف تفتقر إلى الإفعام الدلالي وان بدت افضل رموز العمل لا تظفر بالجمال الكامن في غيبية الرمز بل تقف عند حدود الجماليات البصرية ، طغت المباشرة و المكشوف على المستسر من المضمون في حين ان النص و الاخراج ظاهريا لم يقل شيء حقا و كأنه يوميء لما لا تطاله مداركه.

 

 

لا يوجد اي مسوغ مقبول لآري ستار لمباشرته السطحية إذا احتسبناها كنوع من المساومة لايصال مضامين عمله لشريحة اوسع من الجمهور فهذا بحد ذاته تعالي من المخل القاء الهزل بهذا الشكل المباشر لهذا النوع من المواضيع المعالجة، و التي اعتقد انه يعزو احدى اسبابها للكسل في حين إنه كان من الناجع جدا صرف مجهود دؤوب مخصص قبل كل شيء في إثراء العمل بالرموز و الاستعارات و الاسقاطات الغير المباشرة ، إذا كان لا يصح ابدا كما يقول الكثير من النقاد ان يطلب المتلقي ويقيم عمل الفنان حسب توافقه مع رغباته لان بذلك تخريب ساذج لقيمة العمل الفعلية مجردا من الموضوعية و افراط في الذاتية لكونه خرج عن الاطار لتصوراته المسبقة عن تكوين العمل النهائي، فلماذا اخرج آري عمله بهذا الشكل و السرد الذي يشع في تواتر احداثه نزوع ملحمي واضح ؟!

 

 أكثر الشخصيات لفتا للانتباه ثانوية بالتحديد شخصية “بريان” المراهق الابيض الثائر بلا قضية يؤمن بها حقا أنه يشارك في الخطابات السياسية بقوالب شعاراتية لا يعي حقا معناها وجدواها هي في صريحها خطاب ضد الرجل الأبيض و امتيازاته التي تأتي على حساب الاقليات، المفارقة التي يحاول أن يوصلها العمل في رسم شخصية براين هي ليست من طبقة اجتماعية مثل صديقه الاسباني المترف كيف يردد امتعاضاته بامتيازات الرجل الابيض الجائرة على حساب الاقليات في امريكا التي هي تأتي كنتاج مباشر من عقلية “تفوق العرق الابيض” ، و هو من الأساس لا يحضها بها!، هذا التناقض الهزلي الذي يقدمه آري ستار بشكل كسخرية نتيشوية متعالية على زيف الجدية للشعارات و الحملات السياسية المعاصرة التي هي بدورها ليست أكثر صدقا و بقاءا كما الترندات التي لا أمل و غاية حقيقية منها سوى إعلان حضور و جلب اهتمام لجيل يتضح كل يوم بعد الآخر أنه يحارب ضمنا في عبث حالة الاغتراب و الاستلاب الوجودية و الشعور المتعذر بالانتماء لهذا يورط نفسه ، مقحما ذاته عنوة في نوع من الوعي الجمعي حتى يتملص من صورته التافهة كثائر بلا قضية او كما هو الواقع اليوم حينما نرى صعود النعرات العنصرية للرجل الابيض الذي بعد أن قهر و سلب الاراضي و قتل و اباد، يذرف دموع التماسيح مدعي النضال لعرقه المشهور المظلوم و الذي مازال يدفع ثمن تخلف فكرة ” حمل الرجل الابيض”. 

 اعتقد أن هذا أجود ما تم طرحه في العمل، كانت في كتابة شخصية براين. هذا أكثر ما تم قوله حقا يملك ألمعة مما اراد آري ستار لفيلمه ان يكون ، و مع ذلك في الوقت الذي يسقط فيه اليمين المتطرف الأقنعة عن عقليته و اعتقاداته بتفوق العرق الابيض و يسخر بشطط غير مبرر عن كل ماهو ليس فقط لا ينتمي لهذا العرق بل حتى من البيض الذي ينضالون من أجل الاقليات ،و يتم شيطنتهم و اعتبارهم بأنهم أفراد شاذين وسطهم تم غسيل عقلوهم لخدمة هراءات حقوق الإنسان ، تكتب شخصية بريان في غير قصد (ربما) لتطبع هذه الفكرة.

 

 

لم تحمل الشخصيتان الرئيسيتان هذا البعد بشكل سليم فاغلب مشاهدهم مضحكه تهريجية مسلية غريبة بالتحديد شخصية ” جو ” التي يؤدي دورها خواكين و يجيد ببراعة تأديتها إلا أن الكتابة حيدت من فرد عضلاته و اماكانياته الضخمه جدا فالشخصية بالتحديد في أواخر العمل تجنح لتهريج في سلسلة من الأحداث الغير مبررة ..

 

أكثر ما هو غريب في هذا العمل توقيته ماذا كان يريد آري ستار بتوريط جائحة كورونا بعد نصف عقد !! ربما كان يريد افراغ المساحات لسهولة التصوير العمل أما كورونا فهي العذر المنطقي و إن عزى السبب ظاهريا قولبة العمل او بوصفه حاضن للفعل و الأحداث السياسية آنذاك في حين ان الحراك السياسي الآن لا يقل حده او عبثية عن ما كانت عليه قبل خمسة سنوات

!! كل ما بالعمل يبدو مقحما ودخيل على الآخر وأن تورع عن الخطابات الموعظية فهو يقدم بشكل آخر كيف يجب أن لا تصنع فيلم لا يعوزه الطموح .

اعتقد أن ما يترك العمل في النهاية قابل للمشاهدة أنه مسعوف بحضور كاريزمة خواكين التي تحيله من أن ينظر المشاهد له بعين متبلدة و فاه متثائب .. احيانا .. بجانب تصوير سينمائي جذاب دون تفاوتات في المزاج البصري يبقي العمل المشتت سرديا على نسق بصري جميل .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى