مدينة الضباب تبصّر بالقلب

كتبت : أم عبدالوهاب
دعيني أهمسُ لكِ…
وأنتِ في غفوةِ الضباب،
حيثُ يمرُّ المطرُ خفيفًا كاعترافٍ خجول،
ويعزفُ الربيعُ على كتفيكِ
أنشودةَ الحياة…
يا عشقي…
يا وطنًا يسكنُ القلبَ
قبل أن يعرفَ له مكانًا،
يا سرَّ الجمالِ
حين يختبئُ… ليُدهِش…
فيكِ يمتدُّ الحلمُ
أفقًا لا ينتهي،
ويهمسُ النبضُ
في شوارعكِ العتيقة،
كحكايةٍ نامت بين الحجارة
وأيقظها الحنين…
أنتِ الحياة،
وأنتِ فجرُها المضيء،
وأنتِ العمرُ
حين تعلّمتُ كيف أنتمي…
كأنكِ تحفظينَ الضوء،
وتوزّعينهُ على العابرين
بقدرِ شوقهم…
ألوذُ بكِ… ومنكِ،
من حنينٍ يتّقدُ في أضلعي
كلما مررتُ بطريقٍ يعرفني…
دثّريني بعشقكِ،
فبردُ الشوقِ
لا يدفئهُ إلاكِ…
ضمّيني…
يا أرضَ المطرِ والخُضرة،
ففيكِ المطرُ لا يهطل،
بل يُصغي…
يلمسُ الأرصفةَ برفق،
كأنهُ يعرفُ
أن لكلِّ خطوةٍ حكاية…
أحبُّ مطركِ،
وضبابَ صباحاتكِ،
وتلك الطرقات
التي تحفظُ خطاي…
ووجوهًا عابرة
تركت في قلبي
ألفَ حياة…
وضبابكِ…
ليس غيابًا،
بل سترٌ شفيف،
نرى به الأشياءَ
كما يشعرُ بها القلب…
وشوارعكِ
تمشي بوقار الزمن،
تعرفُ أكثرَ مما تقول،
وتُخفي في زواياها
دفئًا لا يُرى…
بل يُحَسّ…
كطمأنينةٍ
تجيءُ بلا موعد…
متيمٌ بتفاصيلكِ،
بصوتكِ حين تستيقظين،
وبذلك الدفءِ الخفي
رغم بردكِ…
فأنتِ وطنٌ يسكنني،
وأنا…
كلما ضعتُ
وجدتُ نفسي فيكِ…
أحبُّ جمالكِ
الذي لا يتباهى،
يأتي خافتًا…
فيقيم…
ويبقى…
دون أن يطرقَ بابًا
أو يلوّحَ بوداع…
أحبُّ سكونكِ
الممتلئ بالحياة،
وربيعكِ
الذي يخبّئ دفأهُ
في قلبِ النسيم…
وتفاصيلكِ الصغيرة…
التي لا يراها الجميع،
لكنها تغيّر
كلَّ من يراها…
حتى أشجاركِ…
تروي حكايات الفصول،
وتكتبُ على أوراقها
سيرةَ الزمن…
وكأنكِ…
كتابٌ من شعور،
لا يُقرأ…
إلا بالقلب




