الوعي الفكري لدى أسرنا .. طوق النجاة في زمن التحولات الرقمية.

الكاتب: طراد علي سرحان الرويس
أكتب إليكم اليوم، وأنا أدرك أن أعظم معركة تخوضها الأسرة العربية في هذا الزمن ليست معركة اقتصادية ولا اجتماعية فحسب، بل هي معركة الوعي.
نجد اليوم انفسنا في مواجهة أشرس معركة نخوضها كاسرة عربية ليست تلك المرتبطة بالاقتصاد أو تقلبات المعيشة، بل هي “معركة الوعي”، هي معركة تحديد الهوية:
من نحن؟
وماذا نختار أن نكون؟
في زمن لم يعد فيه العالم “هناك”، بل صار يسكن معنا في البيت، يأكل معنا على المائدة، وينام بيننا في الفراش.
لنتأمل حالنا قليلاً؛ كيف تحولت موائدنا العامرة بالحديث إلى صمت مطبق تتخلله رؤوس منحنية؟ كل فرد يمسك بشاشته وكأنه يقبض على عالمه الخاص، غاب الجدال المحمود حول فكرة، وتلاشت الضحكات العفوية على موقف عابر، استبدلنا دفء الأحاديث بتبادل “الروابط”، ولغة العيون البليغة بـ “رموز تعبيرية” صماء، هذا ليس مجرد طيش تقني عابر، بل هو شرخ عميق في نسيج الأسرة يهدد أثمن ما نملك: دفء الانتماء.
إن الوعي الفكري داخل الأسرة لم يعد ترفاً تنظيرياً، بل هو طوق النجاة الوحيد، الأسرة الواعية هي وحدها القادرة على فرز المعرفة من ركام المعلومات، والتمييز بين القيمة الحقيقية ومجرد “الإعجاب” العابر، وبين الحقيقة والأكذوبة المطلية بالزخارف.
إنها الأسرة التي تربي أبناءها ليكونوا شركاء ناقدين، يطرحون الأسئلة بجرأة ولا يهابون البحث عن الإجابات، لا مجرد أوعية تستقبل ما يُسكب فيها.
نعيش اليوم مفارقة مؤلمة؛ فبقدر ما تضخمت وسائل “الاتصال”، تآكل “التواصل” الإنساني الحقيقي.
ان الوعي ليس تكديساً للمعلومات، بل هو مَلَكة التمييز، هو أن نجعل من الأسئلة النقدية:
لماذا يصلني هذا؟
من المستفيد؟
هل يبني عقلي أم يخدره؟
حواراً عفوياً على مائدة الطعام، لا خطبة وعظية منبرية، هو رحلة استكشافية يتعلم فيها الكبير قبل الصغير.
كيف نرمم هذا الوعي في بيوتنا؟
الأمر يبدأ بالعودة إلى حضن الحوار، بأن نمتلك شجاعة إخراس ضجيج الشاشات ولو قليلاً، لنستعيد لذة الحكي والاستماع.
أن يروي الأب موقفاً من طفولته، وأن تسأل الأم ابنتها عن مشاعرها لا عن درجاتها المدرسية فحسب، فالحوار يبني الوعي، والمحبة تصنع المناعة، ويمتد الأمر إلى ممارسة النقد المشترك، كأن نشاهد معاً مقطعاً رائجاً ونفككه:
ما الرسالة المبطنة؟
ماذا يُراد منا أن نصدق؟
هذا التمرين البسيط يحيل الأبناء من متفرجين مسلوبي الإرادة إلى مفكرين يقظين، وقبل هذا وذاك، يجب أن نكون نحن القدوة.
لا يستقيم أن نأمرهم بالقراءة ونحن هجرنا الكتاب، ولا أن نحذرهم من الشائعات ونحن نكون أول من يعيد توجيهها، فالأبناء مرايا لآبائهم، يقلدون الأفعال لا الأقوال.
وفي النهاية، يأتي دور الثقة، أن نغرس فيهم الإيمان بأنفسهم، ليملكوا صلابة قول “لا” حين يجرفهم التيار، وليقفوا بثبات مع الحق، حتى لو سار العالم بأسره في الاتجاه المعاكس.
إن الخطر الحقيقي الذي يداهم أسرنا اليوم ليس شح الإمكانيات، بل استقالة الأسرة من دورها كحاضنة أولى للوعي، المدرسة قد تلقن، والإعلام قد يبهر، لكن البيت وحده هو من يؤسس ويبني.
فالأسرة هي الحصن الأخير، والمصباح الذي لا ينطفئ حين يشتد ظلام التيه الرقمي، فلنعد إلى بيوتنا، ولنطفئ شاشاتنا لساعة واحدة فقط، لنجتمع حول المائدة، نقتسم رغيف الخبز والحديث، نضحك، نختلف، ونتصالح.
في تلك اللحظة العابرة، نكون قد أطلقنا شرارة المعركة الحقيقية لاسترداد أسرتنا من براثن الغربة التي التهمتنا ونحن غافلون.
لأن الوعي، في جوهره، ليس ما نحفظه في عقولنا، بل هو الطريقة التي نختار أن نعيش بها، والبيت الذي يتنفس أهله الوعي، لن تقوى على هدمه كل شاشات الأرض.




