“متولي وشفيقة ” إشراقة فنية في عقل المسرح المصري

الناقد خالد عاشور
منذ دعيت لمشاهدة العرض المسرحي “متولي وشفيقة” على مسرح الطليعة بوسط القاهرة بقيادة المخرج والفنان الراقي الأستاذ “سامح بسيوني” أحد أهم مبدعي الأدارة في اختياراته وجراءته في تقديم ما هو مسكوت عنه في ظل توليه منصب مدير مسرح الطليعة.. ظل يراودني سؤالاً جوهرياً وهو لماذا تعمد صناعه المؤلف الأستاذ “محمد على إبراهيم” والمخرج العبقري الأستاذ “أمير اليماني” على ان يعكسوا اسم القصة الأتية من عمق الموروث الشعبي الصعيدي والمعروفة بقصة “شفيقة ومتولي” ؟!

والتي حدثت في محل ميلادي الأصلي سوهاج في منتصف القرن التاسع عشر وتحديداً عام 1860 في مدينة جرجا التي كانت تمثل عاصمة محافظة سوهاج وقتها وأهم مدنها حتى تاريخه.. ظل هذا السؤال يطاردني قبل مشاهدة المسرحية حتى شاهدتها فعرفت معنى الإشراقة المسرحية التي أبدعها صناع هذه المسرحية التي اعتبرها واحدة من أهم وأعظم المسرحيات التي رأيتها في السنوات الأخيرة على مسارح مصر والتي لم تتناول السرد المعهود قصة شفيقة ومتولي منذ سمعنا عنها وحفظها في طفولتنا عن سلطة ذكورية تتفاخر بوأد المرأة.. الوأد هنا ليس مقصوراً على وقت الولادة بمفهومه الجاهلي.. إنما هو الوأد الأشد قبحاً وهو وأد انوثتها وحريتها لمجرد أنها خرجت عن قطيع ذكورية المجتمع المحتفى بوأدها وهي كبيرة.
خشبة المسرح حين تتحول الى رحلة داخل عقل البطل.
حين رفعت ستارة مسرح الطليعة على ديكور المسرحية قبل بداية المشهد الأول صنع المخرج العبقري عن حق الأستاذ “أمير اليماني” أولى مفاجأة للجمهور.. حيث سحر الديكور الذي صممه الدكتور “محمد سعد” أحد أهم عبقريات هذا العرض المسرحي.
فلقد أجاب عن السؤال الأول وهو تقديم اسم “متولي” على اسم “شفيقة” في القصة الأصلية.. فنحن هنا في رحلة مسرحية تحولت فيها خشبة المسرح ذاتها على هيئة عقل “متولي”.. فالبطل هنا ليست شفيقة.. رغم حضورها الدائم طوال العرض في ما يدور في عقل “متولي” .. ولكن يأتي سحر اختيار العنوان في كونه معالجة حداثية جريئة ومختلفة في طرحها عن مفهوم العار داخل عقل البطل بعد مراجعات فكرية قدمها النص والديكور بعبقرية.

فالمسرح مكون على هيئة ديكور لبيت “متولي وشفيقة”.. قسم المسرح الى ثلاثة أجزاء مترابطة ومنفصلة في ذات الآن.. على يمين المسرح باب دخول البيت.. وفي عمق المسرح تتصدر في الواجهه وعلى يمينه “أرفف وفجوات” تسمى في الصعيد
بـ”الطاقة”وضع عليها “بلاليص” وكأنها اسقاط للعقول الفارغة او للعقول المحشوة بافكار بالية وقديمة تشبه الجبنة القديمة المعروف بها الصعيد.. ولكن جبنة قديمة لا تخلو من دود غير صالح للاستخدام البشري.. وهذا يؤكده بعض أفراد التعبير الحركي الملتصقين بالحوائط وكأنهم أشباح او على هيئة مصغرة العقل “متولي” الداخلي بتلافيف واعصابه ودمه .. وحتى عروقه النافرة من الخارج في رقبته ووجهه وجسمه وهو يتكلم.. وكان حركات فريق التعبير الحركي من الممثلين الأثنى عشر فرداً تحولوا الى وحوش من اساطير يونانية قديمة او عفاريت في حكايات الجدات في الصعيد وخلايا عصبية تتحرك داخل عقل “متولي” في حركاتهم وألوان ملابسهم واقنعتهم ومكياجهم التي تماهت مع الحوائط كديدان أو اشباح او حتى صورة للاعصاب داخل عقل متولي كما هي صورة الأعصاب في العقل البشر والتي صمم رقصاتها وحركاتها في تعبير حركي غاية في الأبداع والدقة المتناهية في موسيقى الحركة والتناغم بين الفنانين مقدمين الأستعراض الحركي الرائع للمبدع ومدرب الحركة الأستاذ “أحمد مانو”
أما على يسار الواجهه في العمق فجوة بها “مرجيحة” صنعت في عقل “متولي” نرى من خلالها “شفيقة” في مراحل عمرها منذ كانت طفة وفتاة وحتى امرأة ناضجة”.
وعلى ذات يسار المسرح فلم يختلف عن يمينه او عمقه.. حيث فجوة ومدخل لغرف البيت المخفية.. وحائط على اليسار رسم عليه تشكيلاً لطفلين “ولد وبنت” وهو إسقاط عن حب البطل لأخته التي سنرى محاكاة البطل “متولي” مع الرسمة أثناء العرض كفلاش باك او حتى في الحاضر.
متولي وشفيقه.. والدخول الى نفق معتم للنفس البشرية
صحيح ان حكاية شفيقة ومتولي تم تناولها أكثر من مرة منذ غناها المطرب الشعبى الريس “حفني أحمد حسن” المولود في صعيد مصر بمحافظة أسيوط.. غير أنه في مواله المعروف بـ شفيقة ومتولي انجاز انحيازاً لا لبث فيه الى الفكرة الذكورية في الثأر من روح شفيقة منتصراً للبطل “متولي”.. ثم تناولتها السينما أكثر من مرة وكذلك المسرح.. لكن ما فعله المخرج “أمير اليماني هو الثأر المعاكس لشفيقة من خلال الولوج في نفق وعقل “متولي”.. لهذا قدم اسم “متولي” في رؤية تحسب لها ولكل صناع العمل.
فلقد ادخلنا المخرج “أمير اليماني” في نفق الموروث الشعبي وهو يضئ لنا اشراقه المسرحية “متولي وشفيقة” مفهوما جريئاً لم يتناوله احد قبله ليهدم بهذا العرض المسرحي تابوهات الخوف المسيطرة على عقول المجتمع من جنوبه حتى شماله .. وحتى مركزه الذي لا يختلف عن عشقه لذات الفكرة.

فإذا كان الفيلم العظيم Eternal Sunshine of the Spotless Mind (2004) للمخرج العالمي “ميشيل جوندري” وبطولة “كيت ونسيلت وجيم كاري” يتناول فكرة ازالة كلا الطرفين ذكريات الآخر من عقله.. فما صنعه المخرج الكبير “أمير اليماني ومن معه هو إعادة ذكريات البطل “متولي” مراجعة ضمير وعقل نراها في هيئة مسرحية تبدو بسيطة في سردها.. ولكنها تشبه لعبة البينج بونج او التنس في تلاحق أفكار جميع الأبطال ككرة تروح وتجئ بينهم في سرد متصل ومنفصل بين الماضي والحاضر دون ان يفصلك للحظة عن متابعة سحر الحكي والتمثيل من ابطاله الفنان الشاب الموهوب باتقان “محمد فريد/ في دور متولي”.. الرائعات الفنانات “يسرا المنسي” (شفيقة في مرحلة النضوج) والفنانة “منة اليماني” في دور شفيقة فتاة.. والطفلة العبقرية “دالا حربي” في دور شفيقة وهي طفلة”.. والفنانين الرائعين “أحمد عودة، تقى طارق، إسلام مصطفى، صلاح السيسي، أحمد راضي، عبد الله شوقي، جوزيف مجدي.”
مسرحية متولي وشفيقة خلال ساعة ونصف وقت عرضها ظل الجمهور مشدودا منبهرا بما يراه من ابداع وكأن صناع العمل أخذوا جمهور المسرح وأغلقوا عليهم عقل متولي ليروا ما يدور بداخله.. وفي كل مشهد من الحكاية بطريقة سردها وتمثيلها وموسيقاها والإضاءة والديكور والملابس يحدث تماهي أكثر بين الجمهور وبين النص البديع الذي رأيناه للدرجة التي تدمع العين فرحا بهكذا ابداع واتقان في الكتابة والإخراج والتمثيل وكل ما وجد من أدوات فنية في هذه التحفة المسرحية مسرحية “متولي” وشفيقة”.

متولي وشفيقة مسرحية أستطيع أن أقول بمنتهى الأريحية انها واحدة من أهم المسرحيات التي سيكون لها أثر بالغ التأثير في مسيرة المسرح المصري والتي أكون على ثقة في أنها ستنال جوائز كثيرة.. سواء داخل مصر او خارجه.. فهذه المسرحية لو عرضت على أي مسرح عالمي خارج مصر وفي دول العالم كله ستلاقي نجاحاً عظيما حتى لو لم يفهم مشاهديها لغة الممثلين.. لأن اروع ما في هذه المسرحية أنها تتكلم عن المشاعر.. والمشاعر لا تحتاج الى لغة.. فقط يفهمها العقل دون ترجمة للنص و تطرب لها الأذن موسيقاها المعزوفة على وتر الأرواح وتسعد لها عيون المشاهدين وقلوبهم من خلال تناغم وحركة الممثلين المتقن.. والأخراج المعجزة في بكل ما يحمل من موتيفات وقطع من الموزاييك والفسيفساء الجمالية على هيئة مسرحية ابدع فيها كل فرد من افراد المسرحية دون هنة واحدة فى الابداع.




